الحكيم الترمذي

60

كيفية السلوك إلى رب العالمين

عليه من خزائن الربوبية نثار كرامات الخصوصية ، حتى قام مقام حقيقة العبودية ، فأغناه اللّه تعالى بذلك ، ثم قرّبه وناداه وأكرمه وسمّاه ولطف به ودعاه ، فأتاه حين سمع دعاءه ، فأيّده اللّه تعالى وقوّاه واكتنفه وآواه حتى أجابه ولبّاه وفي السر ناداه ، وفي كل وقت ناجاه ، وصرخ إلى مولاه لا يعرف له ربّا سواه ، فأعطاه سؤله ومناه ، واصطفاه لخدمته وهداه ، ولمحبّته ارتضاه ، ولمعرفته اجتباه ، وأجرى بين يديه أنهارا من الصدق والصفاء ، والتحقيق والحياء ، والمحبة والرضاء ، والخوف والرجاء ، والصبر والوفاء ، والشكر والقضاء ، والبقاء واللقاء ، والافتخار والافتقار ، والتعظيم وترك الاختيار ، والنظر في الأقدار ، ومشاهدة العزيز الجبار . يزيده اللّه كل وقت من اللطائف ما عجز الواصفون عن وصفه . وهو في قرب من مولاه مستوحش من دنياه ، اشتغل باللّه عن النظر في عقباه ، فهو في أرغد عيش مع مولاه ، يخاف زوال هذا الحال ، ويخشى حادثة توجب الانتقال عن مقام مشاهدة الكبرياء والجلال ، وهو في هذه الحالة كالأنيس المستوحش ، وكالمستقر المستوفز ، وكالمطمئن المضطرب ، قد غرق في بحر لا يرى شطّه ، وهو بحر التوحيد ، ولا يتمنى النجاة من هذا الغرق . يتلذذ هذا الموحّد كما يتلذذ المتلذذون من حلاوات الدنيا ، ويألم من ألم فراقه بما لا يألم أهل الأوجاع والأمراض والشدائد ، والمضروبون بالسياط والمجرّمون بالحديد ، فعافاه اللّه من ألم الفراق وجمع له كل عافية ، وجمله من عنده وآمنه ، فسبحان من آلى على خاصة أوليائه والمقربين من أصفيائه بالآلاء العظيمة ، وأنعم عليهم بالنعماء الجسيمة ، وعصمهم من الأهواء السقيمة ، ومنّ عليهم بالقلوب السليمة ، وسلك بهم سبيل المحجّة المستقيمة ، فله الحمد على دفع البلاء وبذل العطاء وزيادة النعماء وكرامة الهدى ورفع الردى ، والتوفيق بالاقتداء بنبيه المصطفى وملة خليله المجتبى وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المرتضى خاتم الأنبياء والرسل إلى أوضح السبل ، ختم اللّه به النبوة ، وبدر بمتابعته إلى إقامة المروة وإحياء الفتوة ، وقطع به الحجة ، وأرسله للعالمين رحمة ، ودفع به كل نقمة ، وأتم به النعمة ، إذ هو رسوله المصطفى صلى اللّه عليه وعلى آله أهل الصدق والصفاء وعلى أصحابه أهل المحبة والوفاء وعلى أزواجه أهل العفة والتقى وسلّم ، ولا ملجأ ولا منجى منه ، وهو ولي كل مؤمن ونعم المولى هو ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم .